السعودية / الشرق الاوسط

رابطة العالم الإسلامي... فجر جديد للسعودية

  • 1/2
  • 2/2

السبت - 7 جمادى الآخرة 1441 هـ - 01 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15040]

- كاتب مصري

حين تحدث الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي منذ بضعة أيام عن تصادم الرؤى بين المملكة العربية السعودية وإيران، من منطلق مقابلة حقيقية قائمة وقادمة بين «رؤية 2030» التصالحية والتسامحية مع العالم، والتي تعيد الفكر الإسلامي الوسطي القابل للآخر، والساعي للتثاقف مع الآخرين، وبين رؤية إيران التي تحجرت وتكلست عند حدود ثورة 1979 التي كانت وبالاً على العالم، فإنه أصاب كبد الحقيقة. ولعل آية من آيات هذه الرؤية الإيجابية والخلاقة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تلك التوجهات البناءة على صعيد الأمم والحضارات، التي تقوم بها رابطة العالم الإسلامي في الفترة الأخيرة، بقيادة عقلانية وإنسانية للشيخ الدكتور محمد العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.
المتابع لجولة الشيخ العيسى الأسبوعين الماضيين في أوروبا يلمح ملمساً إنسانياً وإيمانياً راقياً، ينم عن فجر جديد، تدخله الرابطة المنطلقة من قلب المملكة العربية السعودية والداعمة للعالم الإسلامي من المغرب إلى باكستان، في طريق ارتقاء معارج الحضارة الإنسانية، وفضائل الأديان.
في روما عاصمة الكاثوليكية في العالم، وبدعوة من الجامعة الكاثوليكية الإيطالية، ارتفع صوت الشيخ العيسى محاضراً عن الصداقة والأخوة بين الأمم والشعوب، ومستعرضاً نماذج من ذلك، تمثلت في العلاقة الإيجابية بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، التي توطدت مؤخراً من خلال العلاقة المتميزة بين رابطة العالم الإسلامي والفاتيكان.
الذين قُدر لهم الاستماع إلى محاضرة الدكتور العيسى أدهشتهم هذه اللغة لرجل يمثل رئاسة رابطة العالم الإسلامي، إنه يخبر عن قيمة الأخوة والصداقة، تلك التي تعني للجميع المحبة والضمير الصادق والثقة المتبادلة، ما يعبّد الطريق أمام سهولة الحوار والتفاهم، والعمل سوياً على المشتركات التي يتفق عليها الجميع، بوصفها قيماً إنسانية تمثل القانون الطبيعي لأتباع الأديان كافة، ولا سيما الإبراهيمية.
فارق واسع وشاسع بين أفكار العيسى، التي تعكس توجهات المملكة، التي تسعى جاهدة لتصدير الأفكار المتحضرة، التي تتميز بتفاعلها الإيجابي مع مفهوم الأسرة الإنسانية الواحدة، وبين سياسات دول مجاورة لا شغل شاغل لها في العقود الأخيرة إلا تصدير الثورات الدوغمائية التي قادت المنطقة إلى تعميق منطق حروب الوكالة وتشظي نسيج المجتمع وتفتيت الكتل الوطنية، والدخول في مسارات الحروب الأهلية.
في محاضرته غير المسبوقة على أسماع الأوروبيين، ولا سيما من مسؤول رفيع المستوى على هذا النحو، بدا الدكتور العيسى صادقاً فيما يقول ويتحدث عن الصداقة بوصفها أجمل ما يمكن أن نتحدث عنه، وعنده أنه عندما يقول الصداقة فهو يعني الصداقة الحقيقية الفعالة، والرجل هنا يستمد من تراث الصحراء وقيم البداوة الإيجابية من شهامة وكرم ووفاء، ما يميز الصديق الحقيقي، عن المفهوم البراغماتي العصراني للصداقة المرحلية القائمة على تبادل المصالح أو المجاملة المادية والإعلامية، فهذه لا تعدو أن تكون ظاهرة شكلية لا قيمة لها.
كثيراً ما تساءل الفلاسفة عن السبب الرئيس وراء شيوع وذيوع الشر وتسنم الأشرار مواقع متقدمة في الحياة، ودائماً ما كان الجواب يدور حول تراجع دور الخيرين والمغيرين حول الكرة الأرضية.
غير أن محاضرة الدكتور العيسى تفتح الطريق في قلب أوروبا، قارة الأنسنة في عصور النهضة والازدهار الفكري، لعودة الأخيار، الذين أثبتوا في عالمنا المعاصر أنهم وحدهم القادرون على إيجاد المعنى الحقيقي للصداقة.
إنه الوقت القيم لأبناء إبراهيم المؤمنين حقاً وقولاً بعظمة الإنسان وخلافته في الأرض لأن يكونوا قدوة الآخرين في القيم الإنسانية، فهم المهمون حقاً، وهم من يراهن على إسهامهم الكبير في صناعة السلام والوئام بين الأمم والشعوب.
على من تقع مسؤولية إفشاء السلام وإطعام الطعام وتعزيز روح الصداقة في أزمنة الأنانية والرأسمالية المتوحشة، عطفاً على أوقات عودة العصبيات وتصاعد القبليات وصحوة القوميات التي تفرق ولا توفق؟
قولاً واحداً، المسؤولية تقع علينا جميعاً، إنها مسؤولية مشتركة من أجل حفظ القيم الإنسانية للأجيال القادمة التي تدعم سلامهم ووئامهم والاحترام المتبادل بينهم وتعزيز الوعي بحتمية الاختلاف والتنوع.
وللقارئ أن يضيف ما أشار إليه المحاضر الكبير من أن المسؤولية تمتد في طريق تعليم الأجيال القادمة الأسلوب المناسب للتواصل مع الآخرين وكيفية التعامل مع الأشرار، خاصة حاملي خطاب الكراهية والعنصرية.
حين يوقع الشيخ العيسى مع مدير الجامعة الكاثوليكية، فرانكو إنيلي، اتفاقية للتعاون والشراكة بين الجامعة ورابطة العالم الإسلامي بهدف تطوير وتحسين برامج اللغة العربية ونشاطات البحوث الثقافية العربية والإسلامية، فمن المؤكد أننا نمضي في طريق لقاء الحضارات والثقافات والأديان، نقيم الجسور ونهدم الجدران.
المشهد الثاني في جولة الدكتور العيسى الأوروبية الذي يستحق التأمل والتوقف أمامه، ذاك الذي جرت به المقادير في مدينة أوشفيتز في بولندا، تلك المدينة التي باتت تحمل كل معاني الألم وامتهان الكرامة الإنسانية لما حدث على أراضيها في زمن النازية المقيتة من قتل وحرق وإهلاك لبشر، كل تهمتهم أنهم يدينون باليهودية.
الشيخ العيسى في إدانته لما جرى هناك، أياً كان الفاعل، وأياً كان الضحايا، كان يشدد على أن الإسلام يجرم بشدة هذه الأفعال الوحشية ويصنفها في طليعة الجرائم الفوقية.
تثبت أضابير التاريخ أن مسلمين كثراً أنقذوا يهوداً من المحرقة، ما يعني أن الإسلام والغرب لا حاجة بهما إلى التشابك في رقصة الموت، إذ تبقى مسارات الصداقة الحقيقية هادية لإنسانية أنفع وأرفع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا